محمد راغب الطباخ الحلبي

354

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

متعطشة إليه تعطش الظمآن إلى الماء البارد ، وذلك لقلة العلماء في ذلك الوقت لما حصل في حلب من الطاعون الذي فتك في تلك السنين فتكا ذريعا ذهب به كثير من العلماء إلى أن كادت الشهباء تخلو منهم ، وصارت تتخبط في دياجير الجهل ، ولحوادث الأنجكارية وتلك الوقائع وحوادث إبراهيم باشا المصري التي ذكرناها في أواخر الجزء الثالث التي قضت على كثير من العلماء وغيرهم بالهجرة من حلب . فلما تصدر للتدريس في هذه الأماكن تهافت الناس عليه وازدحموا حول منهله العذب ، وصار يقرأ الدروس المتعددة في فنون مختلفة من فقه وحديث وتفسير ونحو ومنطق وغير ذلك ، فلم تمض مدة من الزمن إلا وقد تخرج به رجال متعددون ، ومن ذلك الحين شاع فضله وبعد صيته وانتشر في الآفاق ذكره . وكان شيخنا الكبير الشيخ محمد أفندي الزرقا كثير الثناء عليه معترفا بجلالة قدره وغزارة علمه ، وحسبه ثناء مثله عليه . وفي حياة أخيه قرأ كتاب الدر المختار في الفقه الحنفي وذلك بأمر من أخيه الشيخ محمد المذكور ، وحضر عليه عدة من الأفاضل منهم الشيخ مصطفى الريحاوي والشيخ عقيل الزويتيني والشيخ عبد القادر سلطان والشيخ علي القلعجي ، وما كانت تعجبه حاشية العلامة ابن عابدين ، وكانت وقتئذ تستنسخ من الشام يستنسخها السيد راجي بيازيد أحد التجار المشاهير ليستفيد منها الطلاب ، ويقول إنها غير محررة ، وكانت تعجبه حاشية العلامة الطحطاوي على الدر وحاشية العلامة الحلبي ، وكان يقول : لولا هاتان الحاشيتان لما تمكن ابن عابدين من تحشية هذا الكتاب . ومن حين عودته من الأزهر إلى سنة 1293 وهي السنة التي توفى فيها كان يقرأ الدروس يوميا بلا كلل ولا ملل ، من الصباح إلى قبيل الظهر يقرأ الدروس الخاصة في علوم شتى ، ومن الظهر إلى العصر صيفا وشتاء ربيعا وخريفا حتى في رمضان يقرأ درسا عاما في الجامع الكبير يبقى فيه مقدار أربع ساعات قاعدا على ركبتيه لا يغير قعدته . وربما قرأ في درسه الحديث أو الحديثين ويتكلم عليهما بالعجب العجاب بصورة تأخذ بمجامع القلب ، وقل أن يمل أحد من المستمعين الذي يقدرون في معظم الأوقات بأزيد من ألف شخص ، ويذكر أثناء ذلك أحوال الحكام ومظالمهم وتقصير العلماء وأحوال التجار وغشهم وكسل الفقراء ، وربما صرح بأسماء بعض الأشخاص غير هياب ولا وجل ، ولذا كان الجميع يهابونه ويخشون أن يذكرهم الشيخ في دروسه . وكان جهوري الصوت فصيح اللسان حسن التقرير ،